بسم الله الرحمن الرحيم

 
والصلاة والسلام على خاتم رسل الله
سيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وارض اللهم عن أتباعهم الأئمة الهداة وعنا معهم ووفقنا اللهم إلى ما تحبه وترضاه. وبعد:


 
فقد كان المسلمون يستقبلون شهر رمضان بفائق العناية ويولونه أشد الاهتمام ويستعدون لمقدمه فرحا بقدومه، واستبشارا بفضله.
 
 
إنه غنم له في العبادة تضاعف له فيها أجر الصلاة وأجر الصدقة ويتاح له القيام مع الصيام، ويتجه فيه إلى تلاوة القرآن. ومجالس الإيمان فيتزود منه إلى عامه كله. ولهذا كان السلف يسألون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، فإذا بلغوه سألوه أن يوفقهم فيه، ويرزقهم الجد والنشاط فإذا أكملوه سألوا الله بقية السنة أن يتقبله منهم.

 
أحبتي: لو طُلب من أحدنا أن يعتني بضيف سيحل عليه لمدة شهر


 
وسيكافأ على ذلك مكافآت وجوائز عظيمة _بشرط أن يستقبل هذا الضيف


 
استقبالاً لائقاً به يهيئ النفس والجسد ويطهر القلب واللسان ويحبس نفسه عن الشهوات


 
فهل منا من يسعد بهذا الضيف ويبادر لاستقباله لينال الجوائز والمكافآت





 
رمضان ضيف كريم عزيز من عند الله تعالى وفرصة عظيمة لعباده


 
أعطاهم إياها ووعدهم بالجزاء الحسن عليه


 
إنه رمضان ضيف الرحمن فأين المستقبلين والمشمرين والمتسابقين لنيل الشرف


 
والجوائز الربانية العظيمة التي وعدهم الله



 
في الحديث الصحيح المتفق عليه عن أبي هريرة أن النبي ، قال: " كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ بعَشْرِ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي"


 
فأين المستقبلون لرمضان والمتنافسون على الخيرات لينالوا ما وعدهم الله


 
قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ الآية "المطففين: 26".


 
في رمضان نحيا حياة الأرواح ونحيا بهمة ونشاط وإن كانت البطون خاوية والشفاه يابسة


 
إلا إن الروح تحيا بسعادة وتغمرها فرحة اللقاء الذي سكن بعد شوق جارف لهذا الشهر المبارك


 
روح تحيا بنفحات ربانية عظيمة


 
رمضان لا يأتي إلا في السنة مرة واحدة وفي كل مرة يجيء لا يجد كثيرا ممن استقبلوه وودعوه


 
وقد يجيء هذا العام فنستقبله وربما نودعه الوداع الأخير فيعود ولا يجدنا وربما غادرناه قبل أن يغادرنا


 
لذلك ليكن لنا فيمن مضى عنا عظة وعبرة ونستقبل الشهر بما هو أهله فنطهر قلوبنا

 
كان السلف يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم الله رمضان فإذا ما بلغهم إياه دعوه ستة أشهر أن يتقبله منهم

 
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفرح لا ستقبال شهر رمضان ويبشر أصحابه

 
شهر واحد سرعان ما تنقضي ساعاته وتولي أيامه

 
فيجب علينا استقباله بما يليق به وتنظيف القلوب

 
من كل شائبة تشوبها كما كان حال الصحابة رضوان الله عليهم

 
وتعطير الألسنة بذكر الله في كل حال


 
فقد كان المسلمون يستقبلون شهر رمضان بفائق العناية ويولونه أشد الاهتمام ويستعدون لمقدمه فرحا بقدومه، واستبشارا بفضله.

 
قال صلى الله عليه وسلم: "أظلكم شهركم هذا. بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مر بالمسلمين شهر خير لهم منه. ولا مر بالمنافقين شهر شر لهم منه. بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليكتب أجره ونوافله قبل أن يدخله. ويكتب إصره وشقاءه قبل أن يدخله وذلك أن المؤمن يعد فيه القوت والنفقة للعبادة. ويعد فيه المنافق اتباع غفلات المؤمنين واتباع عوراتهم فغنم يغنمه المؤمن". إنه غنم له في العبادة تضاعف له فيها أجر الصلاة وأجر الصدقة ويتاح له القيام مع الصيام، ويتجه فيه إلى تلاوة القرآن. ومجالس الإيمان فيتزود منه إلى عامه كله. ولهذا كان السلف يسألون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، فإذا بلغوه سألوه أن يوفقهم فيه، ويرزقهم الجد والنشاط فإذا أكملوه سألوا الله بقية السنة أن يتقبله منهم.


 
كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ما دخل رمضان شدّ المئزر وأيقظ أهله


 
وتبعه الصحابة رضوان عليهم والسلف في ذلك

 
علينا أن نستقبل رمضان بما استقبله الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم


 
ينبغي أن نستقبل هذا الشهر الكريم بالعزيمة الصادقة على صيامه وقيامه إيمانًا واحتسابًا لا تقليدًا وتبعية للآخرين، وأن تصوم جوارحنا عن الآثام من الكلام المحرم والنظر المحرم والاستماع المحرم

 
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا ليله وشد مئزره وأيقظ أهله ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة

 
نستقبل رمضان بالدعاء

 
كان السلف يكثرون من دعاء الله تعالى أن يبلغهم شهر رمضان ، قال "مُعلّى بن الفضل" كانوا يدعون الله – تعالى – ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبّل منهم، وقال "يحيى بن أبي كثير": كان من دعائهم: أللّهم سلّمني إلى رمضان، وسلم لي رمضان ، وتسلمه مِنِّي متقبّلاً .

 
فيا لله كم من مؤمّل أن يصوم رمضان ولكن يخونه أمله ويصبرُ قبله إلى ظلمة القبر، وكم من مستقبل يومًا لا يستكمله، ومؤمل غدًا لايدركه ، فلو أبصر المرء الأجل ومسيره لأبغض الأمل وغروره؛ ولكن الموفّق يعزم على الخير ويؤمّله، والأعمال بالنيات، وإن ربّ البريّات لا يضيع الأعمال الصالحات .

 
نستقبل رمضان بالفرح وشكر الله على هذه النعمة وإظهار الفرح والتبشير بما فيه من خير

 
ففي "المسند" و"سنن النسائي"(1) عن "أبي هريرة" قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يبشّر أصحابه : "قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامَه يُفْتَح فيه أبواب الجنة يُغْلَق فيه أبواب الجحيم ، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِم خيرها فقد حرم" .


 
وقال بعض العلماء: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضًا بشهر رمضان .

 
والشكر يكون بصرف أوقاتنا طاعة لله
 
فلا تلهينا أمور الدنيا عن هذا الفضل الرباني العظيم الذي منحنا إياه
 
وأنعم علينا برحمة ومغفرة وعتق من النار فيه
 
فلا نحرم أنفسنا هذه اللحظات العظيمة التي ما أن يهل الشهر بها حتى تتوارى عنا سبحان الله!!

 
نستقبل رمضان بتطهير القلوب من كل شائبة تشوبها وتعطير الألسنة كما هو حال الصحابة والسلف
 
سُئِل ابن مسعود : (( كيف كنتم تسقبلون شهر رمضان ؟ قال : ما كان أحدنا يجرؤ أن يستقبل الهلال وفي قلبه مثقال ذرة حقد على أخيه المسلم )) .
 
نستقبل رمضان بالذكر و كثرة قراءة القرآن فهو شهر القرآن

 
عن ابن عباس قال : "كان رسول الله صلى اللهم عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى اللهم عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة "[ البخاري 6 مسلم 2308 ].


 
وقد كان للسلف رحمهم الله اجتهاد عجيب في قراءة القرآن في رمضان بل لم يكونوا يشتغلون فيه بغيره.

 
كان الزهري إذا دخل رمضان يقول : إنما هو قراءة القرآن و إطعام الطعام.

 
قال ابن الحكم : كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث و مجالسة أهل العلم .
قال عبد الرزاق : كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة و أقبل على قراءة القرآن.

 
وقال سفيان : كان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف و جمع إليه أصحابه وكانت لهم مجاهدات من كثرة الختمات رواها الأئمة الثقات الأثبات رحمهم الله .

 
كان الأسود يختم القرآن في رمضان كل ليلتين ،


 
وكان قتادة إذا جاء رمضان ختم فيكل ثلاث ليال مرة ، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة ، وقال ربيع بن سليمان : كان محمد بن إدريس الشافعي يختم في شهر رمضان ستين ختمة ما منها شيء إلا في صلاة ،

 
وروى ابن أبي داود بسند صحيح أن مجاهدا رحمه الله كان يختم القرآن في رمضان فيما بينالمغرب و العشاء ، وكانوا يؤخرون العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل ،

 
وكان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب و العشاء في كل ليلة من رمضان ،


 
قال مالك : و لقدأخبرني من كان يصلي إلى جنب عمر بن حسين في رمضان قال : كنت أسمعه يستفتح القرآن فيكل ليلة . [ البيهقي في الشعب] قال النووي : وأما الذي يختم القرآن في ركعة فلايحصون لكثرتهم فمن المتقدمين عثمان بن عفان ، و تميم الداري ، و سعيد بن جبير رضي الله عنه ختمة في كل ركعة في الكعبة

 
قال القاسم عن أبيه الحافظ ابن عساكر : كان مواظبا على صلاة الجماعة وتلاوة القرآن ، يختم كل جمعة و يختم في رمضان كل يوم

نستقبله بقيام الليل

 
في فضل قيام الليل


 
قال ابن مسعود رضي الله عنه : فضل صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على صدقة العلانية و خرجه الطبراني عنه مرفوعا و المحفوظ وقفه و قال عمرو بن العاص : ركعة بالليل خير من عشر بالنهار خرجه ابن أبي الدنيا و إنما فضلت صلاة الليل على صلاة النهار لأنها أبلغ في الإسرار و أقرب إلى الإخلاص كان السلف يجتهدون على إخفاء تهجدهم قال الحسن : كان الرجل يكون عنده زواره فيقوم من الليل يصلي لا يعلم به زواره و كانوا يجتهدون في الدعاء و لا يسمع لهم صوت و كان الرجل ينام مع امرأته على وسادة فيبكي طول ليلته و هي لا تشعر و كان محمد بن واسع يصلي في طريق الحج طول ليله و يأمر حاديه أن يرفع صوته ليشغل الناس عنه و كان بعضهم يقوم من وسط الليل و لا يدري به فإذا كان قرب طلوع الفجر رفع صوته بالقرآن يوهم أنه قام تلك الساعة .



 
صلى كثير من السلف صلاة الصبح بوضوء العشاء عشرين سنة و منهم من صلى كذلك أربعين سنة قال بعضهم : منذ أربعين سنة ما أحزنني إلا طلوع الفجر قال ثابت : كابدت قيام الليل عشرين سنة و تنعمت به عشرين سنة أخرى


 
كانت امرأة حبيب توقظه بالليل و تقول ذهب الليل و بين أيدينا طريق بعيد و زادنا قليل و قوافل الصالحين قد سارت قدامنا و نحن قد بقينا

 
( يا راقد الليل كم ترقد ... قم يا حبيبي قد دنا الموعد )
( و خذ من الليل و أوقاته ... وردا إذا ما هجع الرقد )
( من نام حتى ينقضي ليله ... لم يبلغ المنزل أو يجهد )
( قل لأولي الألباب أهل التقى ... قنطرة العرض لكم موعد )


 
نستقبله بالاجتهاد في الطاعة ومجاهدة النفس

 
نستقبله بتنظيم الوقت و النفس ومجاهدتها وتربيتها تربية صالحة



 
المراجع /

 
استقبال المسلمين لرمضان

 
لفضيلة الشيخ عطية محمد سالم

 
لطائف المعارج لابن رجب الحنبلي

 
{ سمو الحياة* ..